
بقلم/نشأت البسيوني
في عالم يتغير بإيقاع متسارع يجد الانسان نفسه واقفا عند تقاطع طرق لا تهدأ محاطا بتدفق الاخبار والصور والافكار التي تعبر حياته دون استئذان فيتعلم بالتجربة ان الثبات لم يعد ممكنا وان النجاة ليست في الهروب بل في الفهم وان القوة لم تعد في القبضة بل في الوعي وان الكرامة لم تعد في الصراخ بل في المعنى الذي يحمله المرء وهو يمضي قدما الانسان اليوم لا يسكن مكانا واحدا بل
يسكن لحظات متتابعة تتبدل فيها القيم وتختبر فيها الضمائر وتتعرى فيها الحقائق فيكتشف ان ما كان يبدو بديهيا صار سؤالا وان ما كان مؤجلا صار عاجلا وان ما كان هامشا صار مركزيا وان عليه ان يرسم خرائطه الداخلية قبل ان يبحث عن طرق خارجية فالمدن تتشابه والحدود تتبدل لكن الروح وحدها تحتاج دليلا صادقا يقودها وسط ضجيج العالم يتعلم الانسان ان المعرفة ليست
تراكما للمعلومات بل قدرة على التمييز وان الحرية ليست شعارا بل ممارسة يومية تبدأ من احترام العقل وتنتهي بتحمل المسؤولية وان العدالة ليست نصا جامدا بل فعل انساني متجدد يتطلب شجاعة النظر في المرآة قبل توجيه الاتهام للغير في زمن التحولات الكبرى تتكشف هشاشة اليقين الزائف ويبرز ثمن الانتباه ويصير الصمت فضيلة حين يكون وعيا ويصير الكلام واجبا حين يكون دفاعا عن
معنى مهدد يتعلم الانسان ان التقنية ادوات وان السرعة اختبار وان التواصل لا يعني القرب وان الشهرة لا تعني القيمة وان السوق لا يصنع الحقيقة بل قد يخفيها وان الثقافة ليست زينة بل حصانة وان التاريخ ليس متحفا بل ذاكرة حية تنبه من يقرأها وتوقظ من يغفل عنها في هذا الزمن تتقاطع مصائر الشعوب وتتداخل القصص وتتغير موازين التأثير فيصبح الفرد مؤثرا بقدر ما هو مسؤول
ويصبح صوته ذا وزن بقدر ما يحمل من صدق ويصير فعله ذا اثر بقدر ما يتصل بالصالح العام لا بالمكاسب العاجلة الانسان هنا مطالب بان يعيد تعريف النجاح بعيدا عن المقاييس السريعة وان يعيد تعريف التقدم بعيدا عن الاستهلاك وان يعيد تعريف السعادة باعتبارها اتساقا بين الداخل والخارج لا نشوة عابرة تزول مع اول اختبار في خضم هذه التحولات تتأكد حقيقة ان المستقبل لا ينتظر
المترددين ولا يكافئ الغافلين بل يفتح ابوابه لمن يستثمر في الانسان وفي التعليم وفي الاخلاق وفي العمل المتقن وفي الحوار العاقل وفي الاختلاف الخلاق فيتعلم الانسان ان التنوع قوة وان الكرامة مشتركة وان المصير متشابك وان الانعزال وهم مكلف وان الانغلاق خسارة وان بناء الجسور اولى من رفع الجدران وان حماية الكوكب مسؤولية اخلاقية قبل ان تكون التزاما سياسيا وان العدالة
البيئية امتداد للعدالة الاجتماعية وان سلام العالم يبدأ من احترام الحياة بكل صورها في زمن التحولات الكبرى تتغير الاسئلة لكن الحاجة الى المعنى تبقى ويظل الانسان مطالبا بان يحمل بوصلته الداخلية وان يختار الانحياز للقيم التي تصمد حين تتبدل الظروف وان يتقن فن العيش المشترك وان يوازن بين الحلم والواقعية وبين الجرأة والحكمة وبين الذاكرة والابتكار هكذا يرسم الانسان خرائط
روحه لا ليهرب من العالم بل ليشارك في صنعه بوعي ومسؤولية وامل ثابت لا ينكسر مع العواصف بل يتقوى بها
إضافة تعليق جديد