
بقلم/نشأت البسيوني
حين يقف الإنسان أمام مرآة الأيام يكتشف أن العمر ما كانش مجرد عدد سنين ولا مجموعة لحظات متفرقة لكنه حكاية كاملة اتجمعت من تفاصيل صغيرة وتجارب كبيرة وأيام عدّت من غير ما يحس إن كل خطوة فيها كانت بتصنع جزء من روحه من غير ما يلاحظ في البداية إن اللي عاشه مش بسيط ولا عابر لكنه جزء أصيل من الطريق اللي لسه ماشي فيه لحد النهارده الإنسان في اللحظة دي
بس يبدأ يشوف صورته اللي ما كانش قادر يشوفها زمان الصورة اللي فيها واقف قدام نفسه من غير رتوش ومن غير قناع ومن غير أي محاولة إنه يبقى زي ما الناس عايزة يشوفها لكنه واقف بصورته الحقيقية اللي اتشكلت من تعب ومواقف وخسارات ومرارات وأفراح ونجاحات صغيرة ما كانتش ملحوظة لكنها كانت أقوى من أي شيء ظهر للناس قدام مرآة الأيام بيشوف الإنسان كل حاجة
كان فاكر إنها انتهت لكنه يكتشف إنها اتخزنت جوا قلبه وفضلت فيه من غير ما ياخد باله كل ضحكة ضحكها وهو موجوع كل خطوة مشيها وهو خايف كل كلمة اتقالت له ومشغلتش باله لكنها أثرت فيه أكتر مما كان يتوقع كل لحظة فضل ساكت فيها علشان ما يوجعش حد أو علشان ما يبانش ضعيف قدام الناس كل الحاجات دي بترجع مرة واحدة كأن الأيام نفسها بتفك المشاهد اللي نسيها
وبتعرضها قدامه بطريقتها وكأنها بتقوله إن اللي عاشه ما كانش سهل ولا بسيط وإنه دايماً كان أكبر من شكله الحياة طول الوقت ما بتشرحش اللي بيحصل ومش بتدي إجابات جاهزة لكنها بتسيب بعد كل تجربة علامة وبعد كل موقف درس وبعد كل صدمة وعي وبعد كل حب فهم وبعد كل خسارة اتساع في الأفق يشوف بيه الدنيا بطريقة مختلفة ويفهم نفسه بطريقة أعمق الإنسان دايماً
يفتكر إنه بيتغير لما يكسب لكن الحقيقة إنه بيتغير أكتر لما يتوجع لأن الوجع بيعريه قدام نفسه ويخليه يشوف روحه من غير أي طبقة إضافية ويعرف إنه كان محتاج يمر بكل اللي مر بيه علشان يبقى بالشكل اللي هو فيه دلوقتي يمكن الإنسان يهرب من نفسه كتير يهرب في شغل طويل وفي ضحك مبالغ فيه وفي كلام فاضي وفي علاقات مش كاملة وفي محاولات إنه يلهي عقله بأي حاجة
لكنه ما يعرفش إن كل هروب بيرجعه تاني لنفسه لأن مفيش حد بيقدر يهرب من قلبه مهما حاول كل الطرق في الآخر لها نهاية واحدة وهي اللحظة اللي يضطر فيها يقف قدام حقيقته الحقيقة اللي حاول يتجنبها سنين لكنه لما يشوفها يلاقي إنه كان محتاج يشوفها من زمان ومع كل مواجهة الحقيقة دي بتتغير حاجة جواه بتتولد قوة جديدة كان فاكر إنها مش موجودة واتساع في قلبه ما
كانش يعرف إنه قادر يشيله وصبر أطول بكتير مما كان يظن وفهم أعمق لمواقفه ولكلام الناس وللأيام اللي عدت ومشي فيها من غير ما يسأل ليه الإنسان بعد التجارب الطويلة ما بيرجعش زي ما كان حتى لو حاول حتى لو تمسك بالشكل القديم حتى لو عاش على نفس التفاصيل اللي كانت بتسعده زمان لكن روحه بتتبدل وبتنضج وبتفهم وبتعرف إن اللي كان بيعتبره نهاية كان في الحقيقة بداية
وإن اللي افتكره وجع كان باب لحاجات أكبر وإن اللي فاته ما كانش خسران قد ما كان خطوة لأبعد وفي آخر الطريق ما بيفضلش في ذاكرة الإنسان لا المظاهر ولا المكاسب المؤقتة ولا التصفيق اللي كان بيوصل له ولا الكلام اللي الناس قالته عنه بيفضل بس اللي علمه وبناه وشكله بيفضل اللحظات اللي وقف فيها قدام نفسه واتخذ قرار يكمل حتى لو كان لوحده بيفضل اليوم اللي قدر فيه
يسامح نفسه واليوم اللي قدر فيه يفهم إنها مش غلطته واليوم اللي عرف فيه إنه لسه قادر يحب رغم الخيبات واليوم اللي اكتشف فيه إن قوته الحقيقية مش في إنه ما يقعش لكن في إنه يقوم كل مرة وقع فيها في النهاية الإنسان ما بيلاقيش نفسه إلا لما يشوف الحقيقة اللي جوه الحقيقة اللي اتولدت من تعب السنين ومن خوف الليالي ومن أمل صغير كان بيتشبث بيه وهو مش عارف ليه
الحقيقة اللي تقول له إنه اتغير وإنه اتشكل وإنه بقى قادر يشوف الدنيا بعين أهدى وقلب أوسع وروح أنضج من أي وقت فات حين يقف الإنسان أمام مرآة الأيام يعرف إنه أخيراً شاف نفسه وإنه مهما اتكسرت جواه حاجات ومهما ضاع منه أشخاص ومهما تغيرت الحياة حواليه فهو لسه واقف ولسه قادر يكمل ولسه شايل جوه قلبه قوة ما عرفش قيمتها إلا لما واجه كل حاجة لوحده
وده المعنى الحقيقي للحياة وده سر الإنسان اللي ما حدش يشوفه غير اللي مر عليه الطريق كله
إضافة تعليق جديد