رئيس مجلس الإدارة   
            د/ نبيلة سامى                   

                                               

          صحافة من أجل الوطن 

              (  مجلة مصر )

                             ( أحدث إصدارتنا)

الاثنين 19 يناير 2026 4:51 ص توقيت القاهرة

حين يعبر الإنسان نفسه

بقلم/نشأت البسيوني 

في حياة كل إنسان لحظة خفية لا يراها أحد ولا تلتقط في صورة ولا تكتب في سيرة ذاتية لحظة يقف فيها وجها لوجه أمام نفسه دون شهود ودون أقنعة ودون أعذار لحظة صادقة يفهم فيها أنه لم يكن دائما ضحية الظروف ولا دائما بطلا في الحكاية بل كان أحيانا مترددا وأحيانا خائفا وأحيانا أقوى مما ظن هذه اللحظة لا تأتي بضجيج ولا إعلان لكنها حين تأتي تعيد ترتيب الإنسان من الداخل

الإنسان يقضي سنوات طويلة وهو يحاول أن يعبر الآخرين يثبت لهم قيمته يشرح نواياه ويدافع عن اختياراته ويبرر صمته وكلامه ونجاحه وفشله حتى يكتشف متأخرا أن العبور الأصعب لم يكن للآخرين بل لنفسه أن يفهم لماذا اختار ما اختار ولماذا صمت حين كان يجب أن يتكلم ولماذا تكلم حين كان الصمت سينقذه الحياة لا تشرح دروسها مباشرة بل تتركها متناثرة في التجارب في 

الخسارات في الانكسارات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد لكنها تتراكم داخل الإنسان وتعيد تشكيله ببطء كل تجربة تزيل طبقة من الوهم وكل خيبة تكشف جزءا من الحقيقة وكل مرة ينهض فيها بعد سقوط يتعلم شيئا جديدا عن قدرته على الاحتمال في مرحلة ما يبدأ الإنسان في التخفف لا من الأشياء فقط بل من الأفكار الثقيلة ومن التوقعات المبالغ فيها ومن العلاقات التي تستنزف روحه ومن 

الأحلام التي لم تعد تشبهه هذا التخفف لا يعني الهروب بل يعني النضج أن يعرف ما يستحق البقاء وما يجب تركه دون ضجيج ودون صراع أصعب ما يواجهه الإنسان ليس الفقد ولا الفشل بل مواجهة نفسه كما هي بلا تزيين أن يعترف بأخطائه دون جلد وأن يرى ضعفه دون إنكار وأن يفهم أن القوة ليست في الادعاء بل في الصدق مع الذات وحين يصل إلى هذه المرحلة يصبح أكثر هدوءا 

أقل اندفاعا لكنه أكثر ثباتا وأصدق حضورا العالم من حولنا سريع ومتطلب لا يمنح وقتا كافيا للتأمل ولا مساحة للفهم لذلك يضيع كثيرون وهم يركضون خلف أشياء لا تشبههم فقط لأن الجميع يركض في الاتجاه نفسه والقلة فقط هي من تتوقف وتسأل نفسها هل هذا الطريق يعبرني أم يبعدني عني الإنسان الذي يعبر نفسه لا يعود أسيرا لرأي ولا عبدا لتوقع لا يبحث عن التصفيق ولا يخاف 

من الصمت يعرف أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إثباتا دائما وأن السلام الداخلي أغلى من أي انتصار خارجي مؤقت ومع هذا العبور الداخلي تتغير نظرته للعالم يصبح أكثر رحمة وأقل حكما يفهم أن لكل إنسان معركته الخاصة وأن ما يبدو ضعفا قد يكون نتيجة تعب طويل وأن الصمت أحيانا ليس برودا بل حماية أخيرة لما تبقى من الروح ومع مرور الوقت يدرك الإنسان أن أعقد الأسئلة لم تكن عن 

المستقبل ولا عن المصير بل عن نفسه عن ما يريده حقا وعن ما يستطيع التخلي عنه وعن الحدود التي يجب أن يضعها ليحافظ على توازنه دون قسوة ودون تنازل عن جوهره وفي نهاية الرحلة يصل الإنسان إلى قناعة هادئة مفادها أن أعظم انتصار هو أن يكون صادقا مع نفسه وأن يعيش حياة تشبهه لا حياة مستعارة ولا مؤجلة وأن العبور الحقيقي لا يكون إلى الخارج بل إلى الداخل حيث السلام حيث الفهم وحيث تبدأ الحياة في معناها الأعمق والأصدق

تصنيف المقال : 

إضافة تعليق جديد

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.