
بقلم/نشأت البسيوني
لم تعد الحكاية عن فرد واحد ولا عن وجع شخصي ضيق بل عن زمن كامل يتنفس القلق ويصحو كل يوم على ضجيج أكبر من قدرته على الاحتمال زمن يتكلم فيه الجميع إلا الحقيقة ويعلو فيه الصوت بينما المعنى يختفي ببطء الإنسان اليوم لا يسير فقط في الشوارع بل يسير محملا بأسئلة لا يجد لها إجابة وبحيرة لا يبوح بها خوفا من أن يساء فهمه أو يدان على ضعفه صار الصمت لغة
شائعة ليس لأنه اختيار مريح بل لأنه الملجأ الأخير في عالم لا يمنح مساحة كافية للفهم في هذا العصر يتحول الصمت من ضعف إلى موقف ومن هروب إلى درع يحتمي به الإنسان من استنزاف روحه ومن تسليع مشاعره ومن محاكمات لا تنتهي الصمت لم يعد فراغا بل امتلاء مكبوت بأفكار لا تجد من يصغي إليها وبمشاعر تبحث عن معنى وسط سباق لا يرحم الناس تركض دون أن تعرف إلى أين
وتبتسم دون أن تشعر وتنجح أحيانا دون أن تفرح لأن الإنجاز فقد طعمه حين صار مجرد رقم أو صورة أو خبر عابر الإنسان المعاصر يقيس نفسه بعيون الآخرين لا بمرآته الداخلية فيفقد توازنه ويضيع صوته الحقيقي ويستبدل قناع بآخر حتى ينسى ملامحه الأصلية ومع كل هذا التآكل البطيء تظل الروح تقاوم بصمت ترفض الذوبان الكامل في هذا التيار الجارف وتتمسك بما تبقى من المعنى ذلك
الصوت الداخلي الذي لا يسمعه أحد سوى صاحبه هو البوصلة الوحيدة في عالم ازدحمت فيه الاتجاهات هذا الصوت لا يعلو لكنه لا يخطئ لا يطالب ولا يفرض لكنه يذكر الإنسان بنفسه كلما ابتعد عنها ومع كل تجربة قاسية ومع كل خيبة أمل يزداد هذا الصوت وضوحا ويصبح الصمت مساحة للفهم لا سجنا للهروب ويصبح التأمل فعلا مقاوما في وجه الاستهلاك العاطفي والفكري في
لحظات الانكسار الكبرى لا تنقذ الإنسان الكلمات ولا الشعارات ولا الضجيج المؤقت بل تنقذه تلك المساحة الصامتة داخله التي تعلم فيها الصبر وتدرب فيها على الاحتمال وفهم فيها أن القوة لا تعني الصراخ وأن الثبات لا يحتاج إلى استعراض وأن الكرامة ليست في كثرة الردود بل في اختيار التوقيت المناسب للكلام ومع مرور الوقت يدرك الإنسان أن ليس كل ما يقال يستحق الرد وأن ليس كل
معركة تستحق الدخول وأن الحفاظ على السلام الداخلي انتصار لا يصفق له أحد لكنه يغير صاحبه من الداخل ويمنحه ثباتا لا تهزه العواصف ولا تكسره الخسارات الصمت هنا ليس انسحابا بل وعي وليس ضعفا بل سيطرة على الذات وليس خوفا بل احترام للنفس
وهكذا يصل الإنسان في نهاية الرحلة إلى قناعة هادئة مفادها أن القيمة الحقيقية لا تصنع في الضوء الصاخب بل في الظل العميق
وأن الأثر الأصدق لا يولد من الضجيج بل من الصدق وأن من عرف نفسه جيدا لم يعد محتاجا لإثباتها لأحد وحينها يصبح الصمت شهادة عصر ودليلا على نضج إنسان اختار أن يفهم قبل أن يتكلم وأن يبقى واقفا بثبات في زمن اختلطت فيه الأصوات وضاعت فيه المعاني
إضافة تعليق جديد