
الوجع الذي لم يجد له مأوى
حين يمتلئ القلب بأشياء لم تُنطق، ويثقل بصدر يحمل وجعًا لم يجد له احتواءً ولا سندًا. تتردد النفس بين الرغبة في البوح وخيانة الكلمات، بين الصراخ المكسور والدموع التي جفت. يشعر المرء وكأن بحرًا مالحًا يغرقه من الداخل، بينما تتسارع الحياة من حوله، فيظل هو ثابتًا في مكانه. يتعب من الركض، ويحتار من محاولات الفهم، ويزداد ألمًا كلما حاول النسيان.
تتغير الملامح بفعل الكتمان، وتصبح النظرة مطفأة، والضحكة مجرد مجاملة. يتحول النوم إلى معركة مع الأفكار، ويصبح القلب يخشى التعلق بعد لسعات الخذلان، وتتردد الروح قبل أن تمنح أو تثق أو تحب، لأن كل عطاء سابق عاد عليها بالنقص.
دروس القوة في مواجهة الخذلان
مع مرور الأيام، يتعلم الإنسان أنه ليس مضطرًا لشرح نفسه أو تبرير أفعاله أو إثبات ذاته لأحد. يكتشف أن بعض الأشخاص وجودهم وجع وغيابهم راحة، وأن البعض قربه يطفئ الروح وبعده ينير القلب. وأن أشد أنواع الألم يأتي من أقرب الناس لا من الغرباء.
الخذلان الحقيقي ليس في كلمة، بل في كتف كان من المفترض أن يُسند عليه ولم يُوجد. يبدأ في إدراك أن الحياة لا تنتزع منه إلا ما لا يناسب بقاءه، وأن كل خسارة كانت حماية، وكل ابتعاد كان سِترًا، وكل انهيار كان بمثابة انطلاقة جديدة، حتى لو لم يفهم ذلك حينها.
يبحث عن ذاته في ماضيه الجارح، في ألمه الذي أصبح مُعلمًا، وفي خطواته الضائعة، وفي الكلمات المكبوتة. يرى القرارات التي ظنها خاطئة فإذا بها صائبة، والأشخاص الذين اعتبرهم سندًا فإذا بهم عبء، والذين ظنهم عابرين فإذا بهم أصدق مما تخيل.
اختيار الذات.. أمان ليس في البشر
يصل إلى حقيقة وحيدة: يجب عليه أن يختار نفسه. يجب أن يستمع لصوته الداخلي حتى لو لم يسمعه أحد، وأن يحمي روحه حتى لو وُصف بالتغير. يجب أن يغلق الأبواب التي تؤذيه، وأن يبتعد عن الطرق الخاطئة، حتى لو سار فيها الجميع.
يدرك أن القوة ليست واجبًا دائمًا، وأن الضعف ليس عيبًا، وأن الدموع ليست سقوطًا، وأن التعب ليس فشلاً. وأن لحظة الانهيار ليست نهاية، بل هي بداية للصدق والمواجهة الحقيقية مع الذات.
ويجد الأمان الحقيقي ليس دائمًا في الناس، بل في لحظة سجدة آخر الليل، في كلمة خفية بينه وبين خالقه، في سكينة مفاجئة تهبط على قلبه، وفي نور داخلي يرتعش ليعود ويقف مجددًا. يعلم أن الطريق طويل، لكنه ليس وحيدًا. سيظل يتألم ويتعب ويقع ويقوم، لكن ما دام في روحه نقطة نور، فما زال هناك أمل وبداية تستحق الاستمرار، مهما ثقلت الأيام.
الكائن الذي يحمل أوزان العالم
وفي زحام العالم، كان هناك كائن غريب لا يشبه أحدًا، يمشي بين الناس وهو يحمل في صدره أوزانًا تضاهي ثقل الجبال. صامت أغلب الوقت، ليس لضعف، بل لأن صوته غريق في بحر هموم لا تنتهي.
هذا الكائن وُلد من رحم الألم الذي يفر منه البشر، وكَبُر مع كل خذلان، وكل دمعة لم يرها أحد، وكل صرخة حُبست في صدر تعلم القوة وهو في أشد حالات الضعف. كان يمشي في طرق كُسرت بقرارات الآخرين، وكل خطوة تعيد إليه صدى وجعه. كان يحاول الصعود نحو الضوء، لكن ظلال الخيبات تعيده إلى النقطة ذاتها.
إنه كائن يفهم البشر؛ يدرك أنهم يخفون ضعفهم بضحك أجوف، ويجمعون خوفهم في كلمات فارغة، وأنهم قد يحبون من غير فهم ويجرحون من غير قصد. لكن هذا الفهم لم يخفف عنه، بل زاد من ألمه بكشف المزيد من حقائقهم.
ومع أن ليله طويل ولا يكاد يعرف شمسًا، إلا أن في قلبه فتيلة نور ضعيفة ترفض الانطفاء. يحمل أملًا صغيرًا بأن يخف الوجع ولو للحظة. يتمنى لو أن أحدًا يشعر به دون أن يطلب، يفهم صمته، يسمع نبضه المخفي، يمسك يده دون سؤال.
كان يعرف أن الجبال تتحمل الرياح والرعود، لكنها لا تتحمل الوجع الساكن في دمه، الواقف في حلقه، الذي ينحت من الروح جبالاً. ورغم كل شيء، ظل واقفًا يقاوم، محاولًا الاستمرار.
وجوده شاهد على أن الألم ليس ضعفًا، وأن الروح التي تتوجع وتقوم مجددًا أقوى من الجبال وأعلى من الهموم. ومهما جمعنا حكايته، سنجد أنه لم يسقط بعد، بل هناك جزء صغير يقاوم ويقول: "للعتمة آخر، والنور قادم". لعل أحدهم يراه وسط الزحام، ليس كغريب، بل كروح تحارب وتتوق لأن يشعر بها أحد.
إضافة تعليق جديد