
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية أن الأحكام الشرعية في الإسلام دائما تأخذ في الإعتبار مبدأ التخفيف عن صاحب الحرج، كالمسن، فنرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية، فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات، أما التخفيف عن المسن في الكفارات، فقصة المجادلة وهي الصحابية خولة بنت ثعلبة، في القرآن خير دليل، عندما وقع زوجها أوس بن الصامت وهو الشيخ المسن في جريمة الظهار، ونزل الحكم الشرعي العام في قضيتها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخولة المجادلة "مُريه فليعتق رقبة" فسألت التخفيف عن زوجها فقال "فليصم شهرين متتابعين" فقالت والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر" فقلت يا رسول الله، ما ذاك عنده، فقال نبي الرحمة "فإنا سنعينه بعرق من تمر" ولم ينس الرسول الجليل والأب الرحيم.
أن يوصي المرأة الشابة بزوجها الشيخ فقال "استوصي بابن عمك خيرا" وفي الفرائض أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان ويطعم إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي راقدا إذا شق عليه الجلوس وهكذا، ولقد عنّف الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، ذات يوم، لما صلى إماما فأطال فشق على المأموم، ورخص للمسن أن يرسل من يحج عنه إن لم يستطع أن يمتطى وسيلة النقل، وهذه نماذج عملية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تبين كيف كان تعامله مع المسنين، فنراه ينصت لشيخ مشرك بكل ذوق وأدب، ويسعى لفك أسر شيخ كبير أسرته قريش، ويتنازل عن بعض حقوقه لإطلاق هذا الأسير، ونراه يكرم المسن ويتلطف معه ويأمر بتغيير هيئته إلى هيئة حسنة طيبة، وإعلموا بأن العقيدة هي قضية الإنسان الكبرى ومسألته الأساسية في هذه الحياة.
لأنها تجيبه عن سر وجوده في هذا الكون، وتكشف له عن خالقه، وخالق المخلوقات من حوله، وتحدد له علاقته بهذا الخالق وبالكون والوجود، وتبين له مصيره ونهايته، ولهذا ركزت عقيدة التوحيد الإسلامية في بنائها للإنسان على البناء الفكري والنفسي والسلوكي، لتبلغ به ذروة الكمال الإنساني وترتقي به صعدا نحو السعادة المنشودة، فركزت العقيدة على البناء الفكري فقد اتبعت عقيدة التوحيد في بنائها للإنسان منهجا سديدا يتحدد في خطوات متتالية، فأول خطوة بدأت بها في سبيل هذا البناء، هو تحرير العقل الإنساني من كل الأوهام والخرافات التي علقت به مع مرور السنين والأعوام، وتفريغه من كل المقررات السابقة، التي لم تقم على يقين ولم تستند إلى دليل، فقال الله تعالى فى سورة البقرة " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون"
وأيضا توجيه العقل إلى منهج التثبت من كل أمر قبل الاعتقاد والتسليم به، وعدم الاعتماد على الظنون في بناء الحقائق والمعتقدات، حيث قال الله تعالى فى كتابه " وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يعنى من الحق شيئا" فالمنهج العلمي ينافي اقتفاء الأمور بلا علم ولا تثبت، ولذلك قال تعالى فى سورة الإسراء " ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" ولقد حذر القرآن الكريم من تعطيل حواس الإنسان الظاهرة والباطنة وعدم استخدامها في اكتساب العلوم والمعارف، وبين تحسر أهل النار وندامتهم إذ أهملوا أسماعهم وعقولهم في الدنيا، غقال تعالى فى سورة الملك " وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير" وكذلك دفع العقل إلى البحث والتفكير وحثه على التأمل والتدبر في ملكوت الله عز وجل.
ومن ذلك قوله تعالى"إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون" وبهذا النظر والتفكر في مخلوقات الله عز وجل، يتجه العقل البشري، إلى الإيمان اليقيني القائم على البراهين القاطعة والاستدلالات المنطقية، وقد قال تعالى على لسان عباده الذين آمنوا بعد تفكر وتأمل في ملكوته " ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار" فالفكر الذي تبنيه عقيدة التوحيد الإسلامية هو فكر ممنهج مستقيم يسير على هدى ونور من ربه عز وجل، قد تحرر من كل الأوهام والخرافات الهدامة، وابتعد كل البعد عن الزيغ والضلال.
والانحراف والشطط، فغدا أفقه واسعا ونظره ثاقبا وهدفه واضحا، وقد ركزت العقيدة أيضا علي البناء النفسي، لإن النفس التي لم تعرف توحيد الله سبحانه وتعالى، ولم تذق حلاوة الإيمان والتصديق، ونجدها تعيش تائهة حائرة، يائسة قانطة، مضطربة متوترة، تفزع للمصائب وتجزع للنوائب، وتبطر الخير والنعمة، وتغمط الناس حقهم وفضلهم.
إضافة تعليق جديد