نرمين الشال
لم تكن واقعة الطفلة المحبوسة داخل مدرسة في كفر الشيخ هي الأولى أو الوحيدة التي تجسد ما يلاقيه الأطفال من معاناة داخل المدارس وما يتعرضون له من انتهاكات نفسية وبدنية، وتنمر، خاصة في الريف.
والحادثة في اجاز أن أحد الأشخاص قام بنشر صورة عبر حسابه علي الفيس بوك يظهر فيها ومن خلفه طفلة بالذي المدرسي تبكي ويحجز بينهما بابا حديدي، ليتبين فيما بعد أن الصورة التقطت في احدى مدارس قرى مركز الحامول بكفر الشيخ، وظهرت الطفلة خلالها وقد تملكها الرعب، معلقا علي الصورة بانتقاده حال التعليم، وما يتعرض له الأطفال من إهانة في مدارس وزارة التربية والتعليم، بعد أن أخبرته الطفلة أن الجميع انصرفوا وتركوها وحيدة حين كانت تؤدي دورها في كنس الفصل.
وتم تداول الصورة وانتشر التعليق عليها قبل أن تعود وتنحسر تلك الرواية أمام بيان مديرية التربية والتعليم، حيث تم التأكيد أن الطفلة نسيت كتاب الدين وعادت لتحضره، وتم إلصاق التهمة بمواقع السوشيال ميديا، مستغلين تاريخها السيء في نشر الفتن وبث الأخبار الكاذبة.
إلا إنه ومن سوء حظ المسئولين أن مراسلة جريدة كانت علي مقربة من مكان الواقعة، وقامت بنشر عدة أخبار وأجرت حوارا من داخل منزل الطفلة، معها هي ووالدها والشخص الذي قام بإنقاذها موثقة لحظات احتجاز الطفلة داخل المدرسة ودعمتها بشهادة مسجلة لمنقذ الطفلة ووالدها، وردود أفعالهم الغاضبة على حبسها داخل مدرسة غرب تيرة للتعليم الأساسي فى مركز الحامول، والتي قال فيها " المنقذ " أنه سمع صراخاً داخل المدرسة، عندما كان مارا بالشارع المجاور صدفة، وإذ بالطفلة تبكى وتقول "إلحقونى"، فهرول مسرعا لنجدتها مستعينا بشاب من المارة ليساعدوه على القفز داخل فناء المدرسة، وشرح حالها خلف الباب الحديدي، وكيف بدأ في تهدئتها بعد أن قفر من أعلى السور، واصفا بالتفصيل حالة الطفلة المنهارة ، بعد أن اكتشفت أن الجميع انصرفوا بعدما أغلقوا باب المدرسة عليها حين كانت تقوم بتنظيف الفصل، لتجد نفسها محبوسة، وتابع شهادته حتى قام بتحرير محضر في نقطة شرطة القرية، " متباهيا بحواره مع ضابط الشرطة الذي قال له " حقك وحق البنت هيرجع " كاشفا أن طلبه الأهم هو " ياريت ميخلهمش يكنسوا الفصول".
إذا فشهادة والد الطفلة والشخص الذي قام بإنقاذها كانت واضحة وموثقة ، كان هذا طبعا قبل أن يتم التواصل معهم من قبل مسئولي التربية والتعليم، وتذكيرهم بالمصير السيء الذي ينتظر مدير المدرسة، والذي لحسن حظ مسئولي التربية والتعليم علي صلة قرابة وثيقة بالطفلة، وإلا فنحن أمام ادعاء كاذب من ولي الأمر والمنقذ من شأنه خلق البلبلة وإثارة الرأي العام، وفي كلتا الحالتين كان لزاما على وزارة التربية والتعليم أن تنشر توضيحا وتطلع الرأي العام على تنيجة التحقيق الذي تم في هذا الشأن، وعدم الاكتفاء، بمعاقبة مسئولي المدرسة، أو بالاعتذار الذي قدمته وكيلة الوزارة بالمحافظة، وتبعه استقبال المحافظ للطفلة ووالدها، وتقديمه اعتذاره هو أيضا .
كما أنه لابد لنا من وقفة جادة مع أنفسنا، بعد أن نفرق بين ممارسة الأطفال للنظافة كسلوك حضاري ومشاركتهم طواعية في تنظيف وتجميل فصولهم ومدرستهم، وبين الواقعة التي نحن بصددها والتي عكست إجبار الأطفال وتسخيرهم يوميا ليقوموا بأداء وظيفة " فراش المدرسة " تلك هي الحقيقة التي تيقن الجميع أن نشرها سيكون مكلفا للغاية.
فمع هذه الحقيقة لن تجد وكيلة الوزارة بديلا عن تقديم استقالتها ليكن هذا أبسط إجراء يتخذ لحفظ ماء وجه وزارة التربية والتعليم، بل إن نشر الحقيقة يُسبب حرجا لمن هو أرفع منها منصبا وأعلى شأنً.
لذا آن الأوان أن يعي جميع مسئولي وزارة التربية والتعليم أن ازدواجية المعايير وصم الآذان عن الحقيقة لن يزيد المشكلة إلا تعقيدا، وأنه لم يعد صالحا ولا قادرا على مواجهة شكاوى الطلاب وأولياء الأمور، والتي أصبحت مع أدوات الحياة الحديثة تعرف طريقها إلي عموم الشعب قبل أن يعلم بها المسئول، ولم يعد العلاج هو التكتم ودسها في الأدراج.
بكل أسف وجدا أناس فرحين بوأد واقعة قيام الطفلة بكنس الفصل، وأقول لهم احمدوا الله، فلولا الصدفة التي جعلت تلك الطفلة بالذات من بيت جميع التلاميذ والتي تربطها صلة قرابة بمدير المدرسة لما تراجعوا عن سرد الحقيقة، واستبدالها بنسيان كتاب الدين، وإلي والد الطفلة: ليس عليك عيب، ولا يجرأ أحدا على إلقاء اللوم عليك، فالجميع يعلم أن البسطاء في مصر ليس لديهم ميراث أو ثروتة أغلى من الكرامة.
إضافة تعليق جديد