
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وسخّر له الأزمان ليعمرها بطاعته، ويستثمرها في مرضاته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير ولد عدنان، وعلى آله وصحبه وعترته، أما بعد إن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، ومن أحسن استثماره، فقد أحسن بناء نفسه ومستقبله، ومن ضيّعه، ضاع عمره فيما لا ينفع، وفي عالم يتسارع بخطى متلاحقة، لا ينجو ولا ينجح إلا من عرف كيف يدير وقته بحكمة ووعي، وإن للنعم أصولا وفروعا، فمن فروع النعم مثلا هو البسطة في العلم والجسم والمال، والمحافظة على نوافل العبادات، وما إلى ذلك من الآداب والسنن والمستحبات وبعض الواجبات، فكل أولئك من فروع النعم، وما أجلها من فروع عند عارفيها، وأما أصول النعم، فكثيرة أيضا لا تحصى، وأول أصول النعم، الإيمان بالله تعالى وبما جاء من عنده.
ونعمة الصحة والعافية، ونعمة العلم، فتحصيله نعمة، والإنتفاع به نعمة، والنفع به نعمة، وتخليده ونقله للأجيال المقبلة نعمة، ونشره في الناس نعمة، وهكذا، ويقول رسولنا الكريم المصطفي محمد صلى الله عليه وسلم "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها" وقال "ما من مسلم له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" وقال للنساء "ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجابا من النار، فقالت امرأة، واثنين فقال صلى الله عليه وسلم واثنين" فهذه الأحاديث، وما ورد بمعناها بشرى للمؤمن يحتسب من أجلها المصائب التي يصيبه الله بها، فيصبر عليها، ويحتسب ثوابها عند الله ويعلم أن ذلك من عند الله تعالى وأن سببه من نفسه، كما قال تعالى فى سورة الشورى " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"
وقال ابن القيم رحمه الله بأن المراقبة هى دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى، على ظاهره وباطنه، فإستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين، وقيل من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه، وقال ذو النون علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله، وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته، والمراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة والله أعلم، وفي مثل هذا الزمان الذي إنتشرت فيه وسائل الإفساد.
ينبغي للمربي مع حرصه على المتربي، ومتابعته له أن يغرس فيه مراقبة الله في السر والعلن، والخوف منه ورجاء ثوابه، وكما يجب علينا تعظيم شأن الصلاة، فإن الصلاة هي عمود الدين كما يدل عليه الحديث الشريف وهي آخر عرى الإسلام نقضا، كما جاء في الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم " لتنقضن عُرى الإسلام عُروة عُروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحُكم، وآخرهن الصلاة" والواقع يشهد بوجود أزمة كبيرة في غياب هذه القيمة، وكما يجب علينا الاستعانة بالصبر والصلاة مفتاح الفرج والنصر الإلهي، فإن الصبر من النعم الإلهية المهمة، حيث يدور عليها الكثير من المحاور الاعتقادية والعلمية والأخلاقية، ولم يعط أحد نعمة أهم من الصبر، وإن الشكر والصدق والأمانة والوفاء بالعهد والأخلاقيات من متعلقات الصبر، ولو أن الإنسان اختار الصبر، تحصل له الكمالات والأخلاقيات، وإن لم يكن صابرا، تتضرر كافة الأخلاقيات فيه نتيجة غياب الصبر.
إضافة تعليق جديد